الحرب على آخر ميل: لماذا يدفع المستثمرون ضعف السعر لمحل في حي سكني؟
- Emad Altayyar
- 14 ديسمبر 2025
- 7 دقيقة قراءة
تاريخ التحديث: 7 يناير
إعداد: عماد الطيار - خبير عقارات تجارية
التاريخ: ديسمبر 2025
المدينة: الرياض - المملكة العربية السعودية
وقت القراءة: 6 دقائق - أو شاهد فيديو الشرح المختصر في دقيقتين.
المقدمة: الصورة الحية

عندما تطلب وجبة غداء من تطبيق "جاهز" أو "هنقرستيشن" في الرياض، وتصل إليك خلال 25 دقيقة فقط، قد لا تتخيل أن خلف هذه السرعة المذهلة تحدث ثورة حقيقية في سوق العقارات التجارية. ليست ثورة صاخبة مثل بناء الأبراج الشاهقة أو افتتاح مراكز تجارية ضخمة، بل ثورة صامتة وغير مرئية تحدث في مستودعات صغيرة مخفية في أحياء سكنية، وفي محلات تجارية مغلقة الأبواب بدون واجهات عميل.
هذه المستودعات الذكية والصغيرة (Micro-Fulfillment Centers) والمتاجر المظلمة (Dark Stores) لا تبدو مثيرة للاهتمام من الخارج. قد تمر بجانبها يومياً دون أن تلاحظ أنها موجودة. لكنها تمثل نموذجاً اقتصادياً جديداً تماماً يعيد تعريف قيمة العقارات التجارية، ويغير معادلة الاستثمار في هذا القطاع، ويفتح فرصاً استثمارية لم تكن موجودة قبل بضع سنوات فقط.
1. الإطار النظري: من التجارة التقليدية إلى التجارة السريعة
النمو المتسارع للتجارة الإلكترونية

لفهم أهمية المستودعات الذكية، يجب أولاً أن نفهم حجم الثورة التي تشهدها التجارة الإلكترونية في السعودية. الأرقام تتحدث بوضوح: سوق التجارة الإلكترونية في المملكة يشهد نمواً متسارعاً لم يسبق له مثيل 1 2.
في عام 2025، وصل حجم سوق التجارة الإلكترونية إلى 27.96 مليار دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يصل إلى 49.49 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 23.3% 1. هذا يعني أن السوق سيتضاعف تقريباً خلال السنوات الخمس القادمة.

لكن الأرقام الأكثر إثارة للاهتمام هي تلك المتعلقة بـ "التجارة السريعة" (Quick Commerce) - وهي الطلبات التي يتوقع العميل الحصول عليها خلال ساعات قليلة أو حتى دقائق. هذا القطاع ينمو بسرعة أسرع بكثير من التجارة الإلكترونية العادية 3.
ظهور التجارة السريعة
سوق التجارة السريعة في السعودية يشهد نمواً متفجراً. في عام 2024، كان حجم السوق حوالي 448 مليون دولار، وبحلول عام 2025 وصل إلى حوالي 500 مليون دولار. لكن التوقعات المستقبلية أكثر إثارة: من المتوقع أن يصل السوق إلى 887 مليون دولار بحلول عام 2030، و1.029 مليار دولار بحلول عام 2032 3.
معدل النمو السنوي المركب لهذا القطاع يبلغ 19.66% - وهو أسرع بثلاث مرات من معدل نمو التجارة الإلكترونية العادية. هذا يعني أن التجارة السريعة ليست مجرد اتجاه عابر، بل هي تحول جذري في سلوك المستهلك السعودي.

التحدي اللوجستي: من المستودعات الكبيرة إلى المستودعات الصغيرة
هنا يأتي التحدي الحقيقي: كيف يمكن تسليم آلاف الطلبات يومياً خلال 15-30 دقيقة؟ النموذج التقليدي للتجارة الإلكترونية لا يعمل هنا. في النموذج التقليدي، توجد مستودعات ضخمة خارج المدن، يتم فيها تخزين كميات ضخمة من البضائع، وعندما يطلب العميل شيئاً ما، يتم اختيار البضاعة من المستودع، وتعبئتها، وتسليمها خلال يوم أو يومين.
لكن التجارة السريعة تتطلب نموذجاً مختلفاً تماماً. إنها تتطلب وجود مستودعات صغيرة ومتعددة موزعة داخل المدن نفسها، بحيث تكون قريبة من العملاء قدر الإمكان. هذه المستودعات الصغيرة (Micro-Fulfillment Centers) تحتوي على كميات محدودة من المنتجات الأكثر طلباً، وتعمل بكفاءة عالية لتسليم الطلبات بسرعة 4 5.
الفرق الجوهري: المستودعات التقليدية مقابل مستودعات الـ Micro-Fulfillment

لفهم التحول بشكل أعمق، دعنا نقارن بين النموذجين:
المعيار | المستودعات التقليدية | مستودعات Micro-Fulfillment |
الموقع | خارج المدن | داخل أو بالقرب من المدن |
الحجم | 50,000+ متر مربع | 500-5,000 متر مربع |
المنتجات | تشكيلة واسعة جداً | المنتجات الأكثر طلباً فقط |
وقت التسليم | 2-3 أيام | 15-30 دقيقة |
التكنولوجيا | أتمتة أساسية | أتمتة متقدمة وذكاء اصطناعي |
التكلفة | عالية جداً | منخفضة نسبياً |
هذا الجدول يوضح أن مستودعات الـ Micro-Fulfillment ليست مجرد نسخة مصغرة من المستودعات التقليدية، بل هي نموذج مختلف تماماً مصمم للسرعة والكفاءة في البيئة الحضرية.
2. المطابخ السحابية والمتاجر المظلمة: نماذج جديدة للعقار التجاري
المطابخ السحابية (Ghost Kitchens)

المطابخ السحابية، أو كما يُطلق عليها أحياناً "المطابخ الوهمية"، هي مطابخ متخصصة في تحضير الطعام للتوصيل فقط. لا توجد طاولات للعملاء، ولا يمكن تناول الطعام في المكان. كل شيء معد للتوصيل السريع. هذا النموذج أصبح شائعاً جداً مع تطبيقات التوصيل السريع مثل "جاهز" و"هنقرستيشن".
والأمر لا يقتصر على المطاعم الجديدة فقط. كثير من تجار التجزئة في الأغذية والمشروبات أصبحوا يصنعون ماركات "سحابية" داخل مطاعمهم القائمة. هذه الماركات تقدم قائمة طعام مختلفة تماماً، وتعمل ككيان مستقل على تطبيقات التوصيل، دون أن يكون لها وجود فعلي على أرض الواقع، لكنها تستغل المطبخ والموظفين الحاليين. من الأمثلة على ذلك:
مطاعم "فاير جريل" التي أطلقت علامة "إيرث بولز" المتخصصة في أطباق السلطة الصحية.
مطاعم "مأمولا" التي ابتكرت علامة "قشطية" لتقديم الحلويات.
هذا النموذج يسمح للمطاعم بزيادة إيراداتها من نفس المطبخ، واختبار مفاهيم جديدة بأقل تكلفة ومخاطرة.
المتاجر المظلمة (Dark Stores)
المتاجر المظلمة هي متاجر تقليدية تم تحويلها بالكامل إلى مراكز تنفيذ لطلبات التجارة الإلكترونية. لا توجد واجهة عميل، ولا يمكن للعملاء الدخول والتسوق مباشرة. كل شيء موجه للطلبات عبر الإنترنت. هذا يسمح للشركات باستخدام المساحات التجارية بكفاءة أعلى وتكلفة أقل، والوصول إلى العملاء في أسرع وقت ممكن.
4. البنية التحتية لآخر ميل: عنق الزجاجة المنسي
مع كل هذا التركيز على التكنولوجيا والسرعة، هناك عنصر حاسم غالباً ما يتم تجاهله: البنية التحتية المادية لاستلام وتسليم الطلبات. خصوصاًو أن بعض المطاعم قد تغيرت طريقة ربحيتها لتكون أكثر من 50% معتمدة على التوصيل.
بعض المطاعم المحلية قد غيرت إستراتيجياتها بالكامل لتواكب هذه التغيرات، مثلاً، مطعم فطور فارس، الذي غير إسمه ل فارس فقط، و أقفل الفروع المكلفة في الاماكن الغالية، و افتتح في وسط الأحياء بفروع صغيرة تعتمد على التوصيل في خظوة ذكية للتكيف مع السوق.
الصورة أدناه، التي تظهر ازدحام مناديب التوصيل في مطعم ما، ليست مجرد مشهد فوضوي، بل هي عرض لأزمة حقيقية في تجربة العميل وكفاءة التشغيل.

عندما لا توفر المطاعم أماكن مخصصة ومريحة ومواقف كافية لمناديب التوصيل، فإنها تخلق عنق زجاجة يؤثر على سلسلة القيمة بأكملها:
تأخير الطلبات: يضطر المناديب للانتظار في طوابير طويلة، مما يؤخر استلام الطلب وتسليمه للعميل.
انخفاض جودة الطعام: كل دقيقة إضافية يقضيها الطلب في المطعم تعني أن الطعام سيصل إلى العميل أقل جودة (أبرد، أقل طزاجة).
تجربة سيئة للمناديب والعملاء: تجربة الانتظار المزدحمة والمجهدة للمناديب تنعكس سلباً على جودة الخدمة المقدمة للعميل النهائي.
انخفاض الطلبات: في النهاية، العملاء الذين يتلقون طلباتهم متأخرة أو بجودة منخفضة سيتوقفون عن الطلب من هذا المطعم، مما يؤثر على إيراداته بشكل مباشر.
دور المطورين العقاريين: من تصميم الوجهات إلى تصميم التجارب
المسؤولية لا تقع على عاتق المطاعم وحدها. يجب على المطورين العقاريين أن يراعوا هذا التحول عند تصميم وبناء وجهات تجارية جديدة تضم مطاعم ومقاهي. لم يعد كافياً تصميم واجهات جميلة ومواقف للزبائن فقط. يجب تصميم تجربة منفصلة ومريحة لمناديب التوصيل:
مداخل ومسارات منفصلة: يجب أن يمر المناديب من أماكن مختلفة عن الزوار، بحيث لا يزاحمونهم عند المداخل أو في الممرات.
مواقف مخصصة: تخصيص مواقف قريبة وسهلة الوصول لمناديب التوصيل لتقليل وقت البحث عن موقف.
مناطق انتظار مريحة: توفير مناطق انتظار مكيفة ومجهزة بمقاعد وشواحن للهواتف، مما يحسن من تجربة المندوب ويجعله أكثر كفاءة.

الاستثمار في هذه البنية التحتية ليس ترفاً، بل هو ضرورة لنجاح أي مشروع تجاري يعتمد على التوصيل. إنه استثمار مباشر في الكفاءة التشغيلية ورضا العملاء، وهما المحركان الأساسيان للنمو في اقتصاد التجارة السريعة.
5. دراسة حالة: كيف دخلت "كيتا" السوق بقوة؟

لفهم ديناميكية هذا السوق، لا يوجد مثال أفضل من دخول شركة "كيتا" (Keeta) الصينية إلى السوق السعودي. لكن اللافت في استراتيجية "كيتا" أنها لم تبدأ من المدن الكبرى المزدحمة بالمنافسين، بل اتبعت استراتيجية "الهجوم العكسي"، حيث بدأت عملياتها في مدينة الخرج في سبتمبر 2024، وهي مدينة أصغر حجماً وأقل تنافسية، قبل أن تتوسع إلى الرياض وجدة ومكة والمدينة خلال 17 يوماً فقط.
هذه الاستراتيجية سمحت لها ببناء قاعدة عملاء قوية، واختبار عملياتها في بيئة أقل ضغطاً، قبل الدخول في مواجهة مباشرة مع الكبار في المدن الرئيسية. وخلال 4-5 أشهر فقط، تمكنت "كيتا" من الاستحواذ على 10% من حصة السوق، لتصبح ثالث أكبر لاعب بعد "هنقرستيشن" و"جاهز" 9.
كيف فعلت ذلك؟ اتبعت "كيتا" استراتيجية "حرب الأسعار" التي أثبتت نجاحها في الصين وهونغ كونغ:
عروض قوية: قدمت قسائم بقيمة 100 ريال عند التسجيل، وخصم 50% على الطلبات الأولى.
توصيل مجاني: ألغت رسوم التوصيل بالكامل، مما يقلل من تكلفة الوجبة بنسبة تصل إلى 20%.
استثمار ضخم: التزمت باستثمار مليار ريال (267 مليون دولار) في السوق السعودي.
هذه الاستراتيجية أدت إلى نمو هائل في عدد المستخدمين (3.6 مليون تحميل للتطبيق في 4 أشهر)، لكنها أثرت بشكل أساسي على اللاعبين الصغار، بينما حافظ "هنقرستيشن" و"جاهز" على مراكزهما القيادية. هذا يوضح أن السوق السعودي، رغم أنه مربح، إلا أنه شديد التنافسية ويتطلب استثمارات ضخمة واستراتيجيات ذكية للبقاء.
6. التحديات التنظيمية والبلدية

رغم الفرص الكبيرة، تواجه شركات التوصيل السريع تحديات تنظيمية وبلدية كبيرة في السعودية:
صعوبة إيجاد المواقع: تعاني هذه الشركات من صعوبة في إيجاد مواقع مناسبة لمستودعاتها الصغيرة. البلديات لديها اشتراطات صارمة على استخدامات الأراضي، والمساحات التجارية المصممة للمحلات التقليدية قد لا تكون مناسبة للمستودعات.
ارتفاع الإيجارات: في بعض الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، تضطر هذه الشركات إلى دفع ضعف سعر السوق لتأمين موقع استراتيجي يضمن سرعة التوصيل. هذا يضغط بشكل كبير على هوامش الربح.
مخاطر الإغلاق والغرامات: بسبب الحاجة إلى التوسع السريع، قد تتجاوز بعض الشركات اللوائح أثناء تشطيب وتجهيز المستودعات في محلات لم تُبنَ لهذا الغرض. هذا يعرضها لخطر الإغلاق أو فرض غرامات من قبل البلديات.
7. تكنولوجيا اختيار المواقع: الذكاء الاصطناعي والخرائط الحرارية

لمواجهة تحدي اختيار المواقع، تستخدم هذه الشركات تقنيات متقدمة لتحليل البيانات وتحديد أفضل الأماكن لمستودعاتها. بدلاً من الاعتماد على الحدس أو الطرق التقليدية، تستخدم هذه الشركات:
أنظمة المعلومات الجغرافية (GIS): لإنشاء خرائط تفصيلية للمدن، توضح توزيع السكان، والكثافة السكانية، وشبكة الطرق، ومواقع المنافسين.
الخرائط الحرارية (Heat Maps): لتحديد المناطق التي يتركز فيها الطلب على التوصيل السريع. هذه الخرائط تظهر "البؤر الساخنة" التي يجب استهدافها.
مؤشرات الذكاء الاصطناعي: يتم بناء نماذج ذكاء اصطناعي تتنبأ بالطلب المستقبلي، وترشح أفضل المواقع بناءً على عشرات المتغيرات (مثل متوسط الدخل، عدد أفراد الأسرة، أنماط الاستهلاك، إلخ).
هذه التقنيات تسمح للشركات باتخاذ قرارات دقيقة ومبنية على البيانات، وتقليل مخاطر اختيار موقع خاطئ.
8. الفرص الاستثمارية: ماذا يمكن للمستثمرين أن يفعلوا؟

هذا التحول يفتح فرصاً استثمارية جديدة لم تكن موجودة قبلاً حسب بعض الدراسات كالتالي:
تحويل المحلات الشاغرة: إذا كنت تمتلك محلات تجارية شاغرة أو بإيجار منخفض، يمكنك التواصل مع شركات التجارة الإلكترونية والتوصيل السريع لتأجيرها كمستودعات أو متاجر مظلمة. الإيجار قد يكون أعلى من الإيجار التقليدي لأن الشركات مستعدة لدفع أكثر للمواقع الاستراتيجية.
تطوير مستودعات ذكية جديدة: إذا كان لديك رأس مال، يمكنك تطوير مستودعات صغيرة وذكية في مواقع استراتيجية. هذا يتطلب استثمار أولي لكن العوائد قد تكون كبيرة.
الشراكات الاستراتيجية: يمكنك الدخول في شراكات مع شركات التجارة الإلكترونية لتطوير وتشغيل مستودعات مشتركة.
الخاتمة
المستودعات الذكية والتجارة السريعة ليست مجرد اتجاه عابر. إنها تمثل تحولاً جذرياً في سوق العقارات التجارية في السعودية. هذا التحول يفتح فرصاً استثمارية حقيقية لملاك العقارات والمطورين والمستثمرين. الآن هو الوقت المناسب للدخول إلى هذا السوق والاستفادة من هذه الفرص قبل أن تصبح مشبعة.
المراجع
جميع الحقوق محفوظة - عماد الطيار 2025



تعليقات